بقلم : مرفت محمد عبدالله

لم يكن بوئثيوس في زنزانته وحده. كانت معه كل ضمائرنا المكبّلة، وكل أصوات العقل التي أُسكتت، وكل الأرواح التي أرهقتها الدولة ببيروقراطيتها وخياناتها. لم يُسجن لأنه خان، بل لأنه تجرّأ على قول "لا" في وجه نظام لا يحتمل الرفض. في بلاط الإمبراطورية، كان ذراعاً للحكم، مهندساً للحكمة، ومستشاراً للعدل. ثم فجأة، أُلقي به في العتمة، لا لذنب اقترفه، بل لأنه احتفظ بضمير حيّ في بيئة تأكل الضمائر كما تأكل النار الهشيم. وما فعله بعد السقوط لم يكن استجداءً أو تذمراً. لم يكتب مذكّرات مظلوم، بل سطّر ملحمة فكرية تُعلّمنا حتى اليوم أن الحرية لا تُقاس بمساحة الحركة، بل بمدى اتساع الفكر. في زنزانته كتب عزاء الفلسفة... نصًا ليس عزاءً بل بعثاً، ليس بكاءً بل مقاومة. في زمن تُصادر فيه السلطة كل شيء: الجسد، الكلمة، وحتى النوايا، جاءت الفلسفة إليه امرأة رمزية، دخلت عليه الزنزانة كما تدخل الحقيقة على الضمير، لا لتواسيه، بل لتوقظه. قالت له: "لست مظلوماً لأنك سُجنت، بل لأنك آمنت أن الحظ هو من يرفع ويسقط." لقد خُدعنا طويلاً بفكرة أن الجاه يصنع الإنسان، وأن المال يُسعده، وأن القرب من السلطة حصانة. بينما يخبرنا بوئثيوس أن السعادة تولد من سلامنا مع العقل، وأن العدل لا يُمنح، بل يُنتزع بالإيمان بالقيم، لا بالأنظمة. في هذا الزمن العربي المبتلى، حيث تُمنح الشرعية للصوت الأعلى لا للفكرة الأعمق، ويُجرَّم التفكير، ويُكافأ الخنوع، يعود بوئثيوس إلينا لا كفيلسوف منسي، بل كصوت داخلي لا نملك تجاهله. عزاء الفلسفة ليس عزاءً تقليدياً، بل دليلٌ لمن فقد طريقه في متاهة الحياة، وصرخة وعي في وجه من يطفئ شمعة التفكير. الفلسفة ليست ترفاً، بل ضرورة. ليست زخرفاً أكاديمياً، بل طوق نجاة. وعزاء الفلسفة ليس نصاً من الماضي، بل مرآة تكشف هشاشتنا، وتدعونا أن ننهض. العالم اليوم يعيش اضطراباً خانقاً، تُحاصر فيه الحقيقة، وتُخنق فيه فضول الأسئلة، ويُخنق الوعي بين شعارات جوفاء ومصالح مادية طاغية. في هذا المناخ الخانق، تبرز الفلسفة كآخر ما تبقّى من أشكال المقاومة، لا بوصفها ملاذاً للنخبة، بل كملجأ لكل من أنهكه الوجع، وأعياه التكرار، وأثقل كاهله الركود، ولكل من سُجن في زنزانة الاعتياد، لا فقط في زنزانة السلطة. أما إبكيتيوس، فقد اعتبر الألم أداة لفهم الذات، لا لعنتها. تعلمنا الفلسفة أن الإنسان لا يولد حراً إلا إذا تحرر من قوالب التفكير المعلبة، ومن العادات التي تقتل الدهشة، ومن المسلّمات التي تجرّده من عقله. الفيلسوف ليس أذكى الناس، بل الأكثر تشكيكًا، والأكثر طرحًا للأسئلة، والأقل خضوعًا لما يُقال له: "هكذا هي الأمور دائماً." إن الأشياء التي نراها مألوفة، غالباً ما تكون مجهولة. الاعتياد يقتل الدهشة، ويُعمي البصيرة. والمهمة الحقيقية للفلسفة لا تكمن في إسعاد الناس، بل في دفعهم إلى التفكير، لا في مساندة الأزمة، بل في خلخلة بنيتها، لا في مواساة الجراح، بل في إعادة ترتيب الوعي بها. كما قال أبيقور: "الفلسفة لا تستحق اسمها إن لم تكن شفاءً لآلام البشر." وأنا أؤمن بذلك: الفلسفة التي لا تُخفف وطأة الوجود، ولا تمنحنا أدوات لفهم تجاربنا وتفسير مصائرنا، تصبح محض زينة فكرية، جميلة المظهر، عديمة الجدوى. الفلاسفة الكبار لم يواجهوا محنهم بالتذمر، بل بالغوص في المعنى: سقراط شرب السم بثبات، لأن الموت عنده لم يكن نهاية، بل بداية لرحلة نحو الحقيقة. بوئثيوس كتب على أعتاب الإعدام كتابًا خالداً لا تزال أصداؤه حيّة. وإبكيتيوس اعتبر الألم طريقًا لفهم الذات لا لعنتها. الفلسفة وعيٌ منزوع من الخوف، مقاومة بلا دماء، ثورة بلا عنف، دعوة للتحرر تبدأ من الداخل. وكم نحن اليوم بحاجة لها، لا لتزيين خطاب النخبة، بل لتكون قارب النجاة لضحايا الفقر الروحي والفكري، ولمن طحنهم الضجيج وفقدوا البوصلة. الفلسفة ليست كتاباً في رف، بل مرآة صادقة، وسلاح للوعي، ورفيقة طريق في زمن الظلمة. وإن ماتت الفلسفة، فذلك يعني أننا قبلنا بالموت الصامت. لسنا بحاجة إلى جنازة للفلسفة، بل إلى محكمة لمن قتلها. من عطّل العقل؟ من روّج لعبودية الطاعة؟ من زيّن للناس أن الخوف حكمة؟ كل من استراح على مقاعد السلطة وسكت، كل من خوّف الناس من السؤال، كل من قايض الحرية بالاستقرار، شريكٌ في الجريمة. لا تقولوا إن الفلسفة ماتت… بل اعترفوا أنكم خنقتموها، أنكم دفنتموها بأيديكم تحت وطأة الأكاذيب المتراكمة، وسط زغاريد الرداءة، وخطابات الخنوع. الفلسفة لا تموت، نحن الذين متنا ونحن أحياء. أما "عزاء الفلسفة" الحقيقي، فلن يُكتب بالحبر… بل حين ينتفض العقل العربي من تحت الركام، ويكسر قيده، ويقولها كما قالها بوئثيوس يوماً: "لا".