تيمور الشرهاني

يا أمةً قطعت البشرية فيها أشواطاً من العلم، وما زالت بعض العقول تستنفر طاقتها لمعركةٍ تاريخية حول «الطرشي المدبّس والحامض»!

أعوام طويلة مرّت علينا، ونحن نسمع الطلابة ذاتها، والأسئلة ذاتها، والجدل ذاته؛ حتى صار العمر نفسه شاهداً على حكايةٍ لا تريد أن تنتهي.

العالم صعد إلى الفضاء، وأرسل مركباته إلى الكواكب، وصنع روبوتات تعمل، وابتكر تقنيات تغيّر حياة الإنسان كل صباح، وفتح أبواب الذكاء الاصطناعي على مصاريعها، ونحن ما زلنا نضع «الطرشي المدبّس» تحت المجهر حلال أم حرام!

أما الطرشي الحامض؟

اطمئنوا… الملف آمن!

هكذا تتحول القضايا الصغيرة إلى عواصف، وتبقى القضايا الكبرى نائمة تحت ركام الكلام.

يا للعجب!

مليارات البشر يبحثون عن علاج للسرطان، وعن طاقة أنظف، وعن غذاء يكفي الأجيال، وعن مدن أكثر ذكاءً، وعن تعليم يحرر العقل من الجهل.

ونحن نبحث عن مصير طرشي!

هذه ليست حكاية مُخلل.

هذه حكاية عقلٍ اعتاد أن يمنح الهامش مساحة الصدارة، ثم يتساءل بعد ذلك: لماذا تأخرنا؟

المشكلة تبدأ من اللحظة التي يصبح فيها السؤال الصغير مشروع أمة، بينما يبقى السؤال الكبير بلا صاحب.

أين المدرسة التي تزرع العقل؟

أين الجامعة التي تصنع المعرفة؟

أين المختبر الذي يحوّل الفكرة إلى اختراع؟

أين المصنع الذي يمنح الشاب عملاً وكرامة؟

أين المشروع الذي يجعل التكنولوجيا خادمةً للإنسان؟

أين العقل الذي ينظر إلى الغد، بدل أن يبقى مشدوداً إلى جدل الأمس؟

العالم لا يطرق أبواب المستقبل منتظراً أحداً.

العالم يركض.

والتاريخ لا يمنح المتأخرين وقتاً إضافياً.

كل دقيقة تضيع داخل جدل فارغ، هناك أمة أخرى تحوّلها إلى معرفة، واختراع، ومصنع، وجامعة، وفرصة جديدة.

فيا أصحاب الطرشي المدبّس…

اتركوا للمائدة مائدتها، وللعقل رسالته!

فالأوطان لا تنهض من لون وطعم المُخلل أن كانً مدّبس أو حامض ، ولا تتقدم من طول الجدل، ولا تصنع مستقبلها بكثرة الكلام.

الأوطان تنهض عندما يصبح العلم عادة، والعمل ثقافة، والعقل قائداً، والإنسان غاية.

أما الطرشي؟

فليكن حامضاً، مدبّساً، حلواً، أو كما يشتهي أهله.

لقد سبقنا العالم إلى الفضاء، وما زال بعضنا يبحث عن مركبةٍ تقلّه إلى قاع المرطبان!

أي بقاع جرة الطرشي.

وهنا تكمن الكارثة…