قراءة في تنظيم أوقات العمل واحترام الحياة الخاصة في ضوء التجارب العالمية :
د. احمد ال حميد / بغداد
يعد الأستاذ الجامعي الركيزة أساسية في منظومة التعليم العالي، فهو ليس مجرد موظف يؤدي واجباته بساعات محددة، بل هو صانع فكر، ومؤسس وعي، ومنتج معرفي يرتبط عمله بطبيعة رسالية تمتد أحياناً إلى ما وراء ساعات الدوام الرسمي. وهذا الأمر يفرض على الجميع – مؤسسات وأفراداً – إعادة النظر في طبيعة العلاقة بين التدريسي والجامعة، بما يضمن تحقيق التوازن بين متطلبات العمل واحترام متطلبات الحياة الخاصة، بعيداً عن الاجتهادات غير المنضبطة التي تخلق نوعاً من الإرباك الوظيفي والضغط النفسي الذي ينعكس سلباً على الأداء الأكاديمي والبحثي.
أولاً: الانضباط الوظيفي .. التزام لا نقاش فيهلا يختلف اثنان على أن الأستاذ الجامعي مكلف بأداء واجباته العلمية والإدارية والوظيفية خلال ساعات الدوام الرسمي، وأن هذه المسؤولية تمثل حجر الزاوية في نجاح العملية التعليمية. فالانضباط ليس خياراً، بل واجب قانوني وأخلاقي، وهو أساس احترام المؤسسة ومنظومتها. وبموجب الأنظمة والتعليمات النافذة، فإن ساعات الدوام محددة، والمهام موزعة، والتقييم يتم على فق معايير واضحة.
لكن هل يعني الانضباط الوظيفي أن يبقى التدريسي في حالة استنفار دائم خارج أوقات الدوام، وفي كل لحظة؟ وهنا يبرز هذاالتساؤل الجوهري الذي يحتاج إلى إجابة مؤسسية واضحة.
ثانياً: التوسع غير القانوني في مفهوم التبليغ ما نلاحظه في الممارسات اليومية لبعض الإدارات الجامعية – وإن لم تعمم – هو تحويل وسائل التواصل الشخصية، ولا سيما تطبيق واتساب، إلى قناة رسمية للتبليغ والإمر، وبتوقيتات تتجاوزساعات الدوام الرسمي. فتُرسل التعليمات بعد منتصف النهار، وفي المساء، وحتى ساعات متأخرة من الليل، ويُطلب من التدريسي مباشرة إلى التنفيذ أو الحضور في اليوم التالي دون منحه مهلة كافية مع التلويح بالعقوبة او تحمل المسؤولية.
هنا لا بد من التساؤل بموضوعية:
· هل هناك نص قانوني يلزم التدريسي بمتابعة الواتساب طوال اليوم؟
· هل تم اعتماد هذه الوسيلة كأداة رسمية للتبليغ ضمن تعليمات وزارية؟
· هل يحق للإدارة أن تفرض على التدريسي حضور فعاليات أو ورش عمل أو اجتماعات خارج أوقات الدوام الرسمي دون تبليغمسبق أو تعويض مناسب؟
الإجابة عن هذه الأسئلة تكشف الفجوة بين الواقع العملي والأطر القانونية والتنظيمية، وتستدعي من الوزارة والإدارات الجامعية ضبط هذه الممارسات وتقنينها.
ثالثاً: التجارب العالمية .. دروس في التنظيم والتوازن عند النظر إلى كيفية تنظيم العمل الأكاديمي في الجامعات العالمية، نجد تجارب متقدمة تحترم وقت الأكاديمي وحياته الخاصة، وتؤسس لعلاقة مهنية متوازنة وفيما ياتي أبرز هذه التجارب:
1. تنظيم ساعات العمل الإضافية وتعويضها تضع العديد من الجامعات الدولية أنظمة واضحة للعمل الإضافي. على سبيل المثال، تنص إجراءات جامعة "لا تروب" الأسترالية على أن "أي عمل إضافي مدفوع الأجر يجب أن لا يتعارض مع الأداء الفعال لواجبات الموظف العادية في الجامعة"، وأن "جميع الأعمال الإضافية تُدفع بمعدل الأجر المناسب للعمل الفعلي المُنجز" . كما توضح جامعة ألاسكا أن العمل الإضافي الذي يتجاوز 10 ساعات أسبوعياً قد يتطلب موافقة خاصة، وأن العمل الذي يصل إلى 27.5 ساعة أسبوعياً يخضع لتدقيق دقيق لضمان عدم تأثيره على الواجبات الأساسية .
وهذا يقابل واقعنا الذي نجد فيه أن التدريسي مطالب منه بأداء مهام إضافية خارج اوقات الدوام بدون أي تعويض مادي أو معنوي، وكأن وقته ليس له قيمة.
2. سياسات دعم التوازن بين العمل والحياة تشير دراسة أكاديمية حديثة إلى أن "رفاهية أعضاء هيئة التدريس أصبحت عاملاً أساسياً لتميز المؤسسة، وتستعرض تجارب جامعات عالمية طبقت برامج فعالة مثل ورش إدارة الضغوط، وساعات العمل المرنة، والخلوات التطويرية، والاستشارات النفسية . وتقدم جامعة سالزبورغ في النمسا خدمات دعم مخصصة لأعضاء هيئة التدريس، تشمل مساعدة الأزواج في العثور على عمل عند الانتقال، ومركز ترحيب يدعم الأكاديميين الدوليين وعائلاتهم .
هذا النموذج يتناقض مع واقعنا الذي نجد فيه أن الضغوط تتصاعد، والدعم ينحسر، في ظل سياسات تتجاهل الحياة الشخصية للاكاديمي.
3. مراعاة الظروف الشخصية في التقييم تتبنى هيئة ضمان الجودة في كاتالونيا بإسبانيا (AQU Catalunya) سياسة واضحة تراعي التوازن بين الحياة الشخصية والمهنية في تقييم أعضاء هيئة التدريس. ففي إجراءات التقييم، "تُؤخذ في الاعتبار الظروف الخاصة مثل إجازات الأمومة والأبوة، أو الإجازات المرضية، أو أي ظرف شخصي مبرر قد يؤدي إلى مسار بحثي أو تدريسي غير منتظم"، ويُسمح للمتقدمين بتقديم عدد أقل من الإسهامات العلمية في السنوات التي مروا فيها بهذه الظروف .
وهذا يقابل غياب أي مراعاة للظروف الشخصية في أنظمة التقييم والترقية في جامعاتنا، حيث يُعامل الجميع بمعيار واحد دون استثناءات.
4. الاعتراف بتنوع المهام الأكاديمية تبنى مجلس الاتحاد الأوروبي في نوفمبر 2024 توصية بشأن "المسار الوظيفي الجذاب والمستدام في التعليم العالي"، تؤكد على "أهمية تقدير التدريس على قدم المساواة مع البحث العلمي"، وتدعو إلى "الاعتراف بالمجموعة الكاملة من المسارات والأنشطة المتاحة للكوادر الأكاديمية والمهنية"، مع التأكيد على ضرورة توفير "ظروف عمل أفضل، والتطوير المهني المستمر، والمساواة بين الجنسين، والتوازن بين العمل والحياة، والشمولية" .
هذا التوجه يختلف جذرياً عن واقعنا الذي يُركز فيه التقييم والترقية بشكل شبه كامل على البحث العلمي، مع تجاهل الجهد التدريسي والإداري الكبير الذي يبذله التدريسي.
5. حماية الحدود بين العمل والحياة الخاصة تشير مراجعة منهجية نشرت في المجلة الجنوب أفريقية لإدارة الموارد البشرية والمسومة ( SAJHRM ) إلى أن "الاستخدام الواسع للتقنيات الرقمية يسمح بحدود شديدة النفاذية بين الحياة المهنية والخاصة"، مما يؤدي إلى "تأثيرات سلبية على الرفاهية الفردية والصحة التنظيمية" . وتوصي الدراسة الجامعات بتصميم سياسات عمل مرنة تحمي الحدود بين العمل والحياة بذكاء، وتطوير بنية تحتية تدعم الاحتياجات المتنوعة للقوى العاملة الأكاديمية .
وهذا يتوافق تماماً مع ما نعيشه من تداخل غير متوازن بين العمل والحياة الخاصة بسبب التبليغات المتأخرة عبر وسائل التواصل، مما يستدعي وضع ضوابط واضحة تحمي هذه الحدود.
6. الالتزام المؤسسي بحقوق الموظفين في قضية قانونية بين أستاذ مساعد وجامعة أوكلاند في نيوزيلندا (قضية Wiles v Vice-Chancellor of the University of Auckland [2024] NZEmpC 123)، أكدت المحكمة أن "الالتزام بأن يكون صاحب عمل جيد يعني أن الجامعة ملزمة بالامتثال لسياساتها"، وأن "عدم الامتثال يشكل خرقاً للالتزام التعاقدي بأن يكون صاحب عمل جيد" . وهذا يرسي مبدأ قانونياً مهماً: المؤسسة ملزمة بالوفاء بالتزاماتها تجاه موظفيها، وليس العكس فقط.
وهذا المبدأ غائب في واقعنا، حيث نجد أن المؤسسات تطالب الأساتذة بالالتزام الكامل بالواجبات، بينما الحقوق القانونية والمالية تظل تتاخر او تؤجل وقد لا تتحقق.
7. تحذيرات من تدهور ظروف العمل تحذرت نشرة أصدرتها منظمة اليونسكو في نوفمبر 2024 تحت عنوان "مؤسسات التعليم العالي كأصحاب عمل: ضمان ظروف عمل لائقة"، من "ضغوط الأداء وعدم التوازن بين العمل والحياة" التي تواجه الأكاديميين، مشيرة إلى أن "التوقعات غير الواضحة أو غير الواقعية للأداء تؤدي إلى ساعات عمل طويلة، وتؤثر سلباً على الصحة النفسية، وتخلق تحيزاً ضد من لديهم انقطاعات مهنية" .وتوصي اليونسكو بـ "دعم سياسات الصحة النفسية والتوازن بين العمل والحياة، بما في ذلك توفير خدمات أساسية مثل رعاية الأطفال" .
وهذه التحذيرات تدق ناقوس الخطر، وتؤكد أن ما نعيشه ليس مشكلة محلية فريدة، بل ظاهرة عالمية تحتاج إلى معالجة جادة.
رابعاً: مبدأ المعاملة بالمثل .. حق المؤسسة وحق الفرد من المهم هنا أن نقف عند نقطة دقيقة:
إذا كان التدريسي ملزماً بالقوانين والأنظمة والتعليمات، فمن حق المؤسسة أن تطلب منه الانضباط والالتزام. ولكن بالمقابل، من حق التدريسي مطالبة المؤسسة أن تلتزم حقوقه القانونية والمالية، وأن تراعي ظروفه الإنسانية والمهنية وتحترم حياته الخاصة.
فلا يصح أن تكون العلاقة قائمة على أداء الواجبات من طرف واحد، وتأجيل حقوق الطرف الآخر، أو تغييبها تحت مبررات ظرفية وميزانيات محدودة. فالتوازن هو أساس العلاقة الصحية بين الموظف ومؤسسته، والجامعة ليست استثناءً من هذه القاعدة.
وهنا نستحضر ما أشارت إليه توصية مجلس الاتحاد الأوروبي من أن "المؤسسات الأكاديمية مسؤولة عن توفير بيئة عمل داعمة تعترف بتنوع الأدوار والمهام"، وأن "الاستثمار في ظروف العمل الجيدة هو استثمار في جودة التعليم والبحث" .
خامساً: جامعات متقدمة بأساتذة أصحاء الجامعة القوية لا تُبنى على الاستنزاف، بل على التنظيم. والأستاذ المنتج علمياً وبحثياً لا يمكن أن يكون مرهقاً أو مشتتاً بتبليغات متتالية خارج وقت العمل. التطوير الأكاديمي الجاد يحتاج إلى:
· بيئة عمل مستقرة.
· أوقات محددة للتبليغ والتعليمات.
· احترام الحياة الخاصة كشرط أساسي للتميز.
· حوافز مالية ومعنوية للجهود الإضافية في الحالات الطارئة والمبررة.
· سياسات مرنة تراعي الظروف الشخصية والعائلية.
· آليات واضحة للتعويض عن العمل الإضافي.
لقد أثبتت تجارب الدول المتقدمة في مجال التعليم العالي أن احترام وقت الأكاديمي يُترجم إلى إنتاجية أعلى، وإبداع أكبر، واستقرار وظيفي ينعكس على جودة المخرجات التعليمية والبحثية. وكما تشير مراجعة الأدبيات العلمية، فإن "رفاهية أعضاء هيئة التدريس هي الأساس للثقافة الأكاديمية المستدامة والنجاح المؤسسي" .
سادساً: مطلبنا ..
تنظيم، لا إلغاء نحن كتدريسيين لا نطلب إلغاء التبليغات، ولا نرفض أداء الواجبات، ولا نتنصل من مسؤولياتنا. لكننا نطالب بـ:
1. تحديد قنوات اتصال رسمية، وعدم الاعتماد على وسائل التواصل الشخصية كأداة إلزامية للتبليغ.
2. اعتماد أوقات محددة للتبليغات، بحيث تكون ضمن ساعات الدوام الرسمي، أو بفترة زمنية كافية للتحضير في حال الضرورة.
3. استثناء الحالات الطارئة بضوابط محددة، بحيث لا تصبح قاعدة ولا تستخدم بشكل عشوائي.
4. تعويض الجهود الإضافية مادياً أو معنوياً، وفق ما تنص عليه الأنظمة والتعليمات الوظيفية، أسوة بالجامعات العالمية التي تنظم العمل الإضافي وأجره.
5. إصدار تعليمات وزارية تنظم عمل منصات التواصل، وتحدد نطاق استخدامها في الأعمال الرسمية.
6. اعتماد سياسات تراعي التوازن بين العمل والحياة، وتأخذ في الاعتبار الظروف الشخصية والعائلية في التقييم والترقية.
7. توفير آليات للدعم النفسي والمهني، أسوة بالتجارب العالمية التي تولي صحة الأكاديمي اهتماماً خاصاً.
نحن نؤمن بأن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، والإدارات الجامعية، تدرك أهمية هذا الملف، وأنها تسعى إلى تطوير العمل الأكاديمي بما يليق بسمعة جامعاتنا ومكانتها. ولكننا نرى أن التطوير يبدأ من احترام الإنسان، واحترام وقته، وحفظ حقوقه، على نحو يكافئ الزامه بواجباته.
نريد جامعات قوية، وأساتذة منتجين، وبحوثاً علمية رصينة. وهذا لا يتحقق بالضغط المستمر، ولا بالتبليغات المتأخرة، ولا بتأجيل المستحقات، بل بالتوازن والإنصاف والتنظيم، مستلهمين أفضل الممارسات العالمية التي أثبتت جدواها.
من يضمن للأستاذ الجامعي حقه في وقت الراحة خارج ساعات الدوام الرسمي؟
ننتظر إجابة واضحة من المسؤولين، وإجراءات عملية تترجم الأقوال إلى أفعال، وتؤسس لعلاقة مهنية متوازنة تراعي القانون والإنسانية معاً، وتضع جامعاتنا على طريق التميز العالمي.




التعليقات