الاعلام العراقي / تقرير-  سعد الساعدي

  بين مدٍّ وجزر تظهر وتختفي ظاهرة التسول في جميع مدن العراق ، واغلب تقاطعات الشوارع ، وعند الاشارات الضوئية الى أن وصل المتسولون الى نقاط التفتيش والسيطرات الرئيسية لاسيما في بغداد ..

البعض يقول انهم فقراء جياع ومن الواجب التصدق عليهم والحسنة بعشرة أمثالها عند الله للمحسنين ..

ومن هنا تبرز التساؤل المهم : من هو الراعي لاطفال صغار ومراهقين وهم يمدون ايدهم للاستحواذ على أموال تذهب لجيوب غير معروفة ، بعضهم يرش الماء على زجاج السيارات ، وبعضهن تحمل طفلاً لايفارقه النوم من الصباح الى المساء وكأنه دمية محنطة .

شابات جميلات بلهجة سورية متلعثمة توحي بأنها نازحة من هناك بسبب الحرب ، وهي ليست كذلك ، عجائز بوجوه كالحة مغبرة ومحترقة من شمس الصيف أيدهن مرفوعة ، تارة بالدعاء ، وتارة لاستلام النقود ، وكأنَّ دعاءهنّ سيُجاب فوراً وهي اصلاً لاتعرف كيف تتوضأ للصلاة إن كانت تعرف أن شيئاً ما يسمى صلاة !!

ذات مرة وفي أحد الصباحات ترجل أحدهم من إحدى السيارات بملابس فاخرة ومعه مجموعة من الصبية والصبايا بمختلف الأعمار ووزع أماكن عملهم وكلٌ حسب مقدرته وواجبه المكلف به وكان بقربهم احدى مفارز الشرطة كون المنطقة مزدحمة وتقاطع شوارع حيوي .. وقف بعيداً يراقب ويتصل بموبايل فاخر ؛ ربما آيفون !!

إن كانت لقمة العيش والعوز هي السبب فمن أين اتى هذا الرجل بهذه المجموعة الكادحة لجمع ثروة نحن نجهلها ..

وبعد التحري تبين ان مبلغاً يجب ان يدفع يومياً لهذا الرجل كونه الآوي والمطعم لهؤلاء ، أين اختفت أسر هؤلاء ومن أين تجمعوا وكيف تآلفوا ؟ شاهدنا ذلك في فلم عربي ، ولكننا نعيش ذلك واقعاً ، وليس هناك من متابع ورقيب ، لا من مسؤول ولا مسؤولة ..

قبل سنين صادفتني إحداهن وهي تتسول في أحد الكراجات فسألتها : لماذا تفعلين ذلك ؟ قالت من أجل الطعام والمبيت في بيت أخي لان زوجته تطالبني يوميا بمبلغ ٤٠ ألف دينار كي تأويني .. لم أصدقها أول الأمر سألتها اين تسكن فدلتني على عنوانها ..بعد الأستقصاء هناك تبين صدق كلام هذه المرأة المسنة وأن اخاها من اصحاب السيارات العاملة على نقل المسافرين خارج القطر؛ يعني من الاثرياء لانه يملك ايضاً شاحنات عاملة في الميناء ..ربما اتت ثروته من أخته ، الله وحده يعلم !

وبين كل هذا وذاك يبقى الاطفال ضحايا عصابات تتاجر بطفولتهم المنتهكة بعيداً عن الرقيب وعن الضمير وعن كل مباديء الاخلاق بانتظار من سيحلّ المسألة لانها تبدو معقدة .